أخبار السياحةأخبار مصرمنوعات

بعد أكثر من 2000 عام.. مدينة مفقودة على ساحل المتوسط تكشف أسرار الموت والحياة في مصر القديمة

بعد أكثر من 2000 عام.. مدينة مفقودة على ساحل المتوسط تكشف أسرار الموت والحياة في مصر القديمة

في اكتشاف أثري جديد يعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر المدن التاريخية غموضًا على الساحل الشمالي المصري، نجحت البعثة الأثرية المصرية العاملة بمدينة مارينا العلمين الأثرية في الكشف عن مجموعة استثنائية من المقابر واللقى الأثرية التي تعود إلى العصرين الهلنستي والروماني، في اكتشاف يقدم أدلة جديدة حول طبيعة الحياة والمعتقدات الجنائزية والتفاعل الحضاري الذي شهدته المنطقة عبر قرون طويلة.

ويعد هذا الكشف إضافة علمية وأثرية مهمة، ليس فقط لما يتضمنه من مقابر لم تُفتح منذ العصور القديمة، وتوابيت ما زالت في حالتها الأصلية، وقطع ذهبية نادرة، بل لأنه يعزز أيضًا من مكانة مدينة مارينا العلمين باعتبارها واحدة من أهم المدن الساحلية القديمة على البحر المتوسط، والتي لعبت دورًا محوريًا في التبادل الحضاري والثقافي بين مصر والعالم المتوسطي.

  • 18 مقبرة جديدة تكشف مزيدًا من أسرار مدينة مارينا العلمين

أسفرت أعمال الحفائر التي نفذتها البعثة الأثرية المصرية بمدينة مارينا العلمين الأثرية، الواقعة بالساحل الشمالي الغربي، عن اكتشاف 18 مقبرة أثرية جديدة، إلى جانب عدد من الدفنات السطحية والتوابيت واللقى الأثرية المتنوعة، في كشف يعزز من القيمة التاريخية والأثرية للمدينة.

وبهذا الكشف الجديد، يرتفع إجمالي عدد المقابر التي تم اكتشافها بالموقع منذ بدء أعمال الحفائر عام 1986 إلى 44 مقبرة، وهو ما يؤكد أن المدينة كانت تضم واحدة من أهم الجبانات الساحلية خلال العصرين الهلنستي والروماني.

  • وزارة السياحة والآثار: الكشف يساهم في إعادة فهم تاريخ المدينة

وأكد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن هذا الكشف يمثل إضافة علمية وأثرية مهمة تسهم في فهم الهوية الثقافية والاجتماعية لسكان مدينة مارينا العلمين القديمة، كما يساهم في إعادة تقييم الدور التاريخي الذي لعبته المدينة باعتبارها مركزًا حضاريًا وثقافيًا مهمًا ربط بين مصر والعالم المتوسطي.

وأوضح الوزير أن وزارة السياحة والآثار تولي اهتمامًا كبيرًا باستكمال أعمال الحفائر والدراسات العلمية بالموقع، بالتوازي مع تنفيذ خطة تطوير شاملة تهدف إلى افتتاح المنطقة أمام الزائرين، بما يضيف منتجًا سياحيًا ثقافيًا جديدًا إلى منطقة الساحل الشمالي، المعروفة عالميًا بسياحتها الشاطئية.

  • خطة تطوير متكاملة لتحويل الموقع إلى وجهة سياحية عالمية

وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور هشام الليثي أن مشروع تطوير مدينة مارينا العلمين الأثرية يتضمن تنفيذ مجموعة متكاملة من الخدمات والمنشآت، تشمل إنشاء مركز للزوار، ومسارات للمشاة والسيارات الكهربائية، ومخزن متحفي، ومقر إداري، ومسرح مفتوح، بالإضافة إلى تجهيزات خدمية متكاملة.

وأشار إلى أنه من المتوقع الانتهاء من أعمال التطوير خلال النصف الأول من العام المقبل، لتصبح المدينة واحدة من أهم المقاصد الأثرية والثقافية الجديدة على الساحل الشمالي المصري.

  • مقابر منحوتة في الصخر وأخرى مشيدة بالحجر الجيري

وأوضح محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، أن المقابر المكتشفة تضم 11 مقبرة منحوتة بالكامل داخل الصخور، والمعروفة أثريًا باسم “الهيبوجيوم”، ويصل متوسط عمقها إلى نحو ثمانية أمتار.
كما تم الكشف عن سبع مقابر سطحية شُيدت باستخدام الحجر الجيري، وتميز عدد منها بحالة حفظ استثنائية، حيث عُثر داخلها على فتحات دفن لا تزال مغلقة بألواح حجرية منذ العصور القديمة، الأمر الذي يوفر فرصة علمية نادرة لدراسة الطقوس الجنائزية الأصلية لسكان المدينة.

  • دفنات سطحية وبئر مياه تحول إلى مقبرة

وكشفت أعمال الحفائر أيضًا عن عدد من الدفنات السطحية المنتشرة في محيط المقابر الرئيسية، وهو ما يعكس التنوع الاجتماعي والاقتصادي لسكان المدينة القديمة.

كما عثرت البعثة على بئر مياه تمت إعادة استخدامه لاحقًا لأغراض الدفن، في دليل واضح على استمرار التأثيرات المصرية القديمة في العمارة والممارسات الجنائزية خلال العصرين البطلمي والروماني.

  • تابوت جرانيتي مغلق منذ آلاف السنين

ومن أبرز المكتشفات التي تم الإعلان عنها، العثور على تابوت ضخم مصنوع من الجرانيت يبلغ طوله نحو 2.5 متر، لا يزال غطاؤه الأصلي في موضعه حتى الآن.

وقد عُثر داخل التابوت على بقايا عظمية تخضع حاليًا للدراسات والتحاليل العلمية، بما قد يساهم في الكشف عن مزيد من المعلومات المتعلقة بهوية صاحب التابوت وخصائص المجتمع الذي عاش فيه.

  • 24 لسانًا ذهبيًا تكشف معتقدات العالم الآخر

وفي واحد من أكثر الاكتشافات إثارة، عثرت البعثة الأثرية على 24 قطعة ذهبية وُضعت داخل أفواه عدد من المتوفين، فيما يعرف أثريًا باسم “اللسان الذهبي”، وهو أحد الطقوس الجنائزية التي ارتبطت بالمعتقدات المتعلقة بالحياة الأخرى خلال العصرين الهلنستي والروماني.

كما تم العثور على قطعة ذهبية نادرة على هيئة “عين حورس”، والتي تعد من أبرز الرموز الوقائية في العقيدة المصرية القديمة، وهو ما يعكس استمرار تأثير المعتقدات المصرية التقليدية رغم التأثيرات الحضارية الوافدة.

  • أفروديت وأبو الهول في موقع واحد

وأسفرت أعمال التنقيب كذلك عن اكتشاف تمثال رخامي غير مكتمل يُرجح أنه يمثل الإلهة اليونانية أفروديت، إلى جانب العثور على بقايا تمثال لأبي الهول مصنوع من الجص.

ويعكس وجود هذين العنصرين في موقع واحد حجم التفاعل الحضاري والثقافي والديني الذي شهدته مدينة مارينا العلمين، حيث امتزجت التأثيرات المصرية القديمة بالعناصر الهلنستية والرومانية.

  • لقى أثرية متنوعة تكشف تفاصيل الحياة اليومية

كما كشفت الحفائر عن مجموعة كبيرة من اللقى الأثرية، شملت أواني فخارية كاملة وشبه كاملة، وأمفورات، ومسارج، وأطباق، ومذابح وأحواض حجرية، بالإضافة إلى عناصر معمارية مختلفة مرتبطة بالمقابر.

ومن بين المكتشفات المهمة أيضًا، العثور على شاهد قبر من الحجر الجيري لرجل جالس يحمل طائرًا، إلى جانب عدد من المدامع الزجاجية المستخدمة في الطقوس الجنائزية.

  • مارينا العلمين.. مدينة متوسطية عادت إلى الحياة من جديد


تقع مدينة مارينا العلمين الأثرية على بعد نحو 100 كيلومتر غرب مدينة الإسكندرية، ويُرجح أنها تمثل مدينة “ليوكاسبيس” التي ورد ذكرها في كتابات الجغرافي اليوناني سترابون.

وقد ازدهرت المدينة منذ العصر الهلنستي وحتى العصر البيزنطي، وبلغت ذروة نشاطها الاقتصادي والعمراني خلال القرون الثلاثة الأولى للميلاد.

ومنذ اكتشاف الموقع عام 1986، كشفت أعمال الحفائر عن واحدة من أفضل المدن الساحلية القديمة حفظًا في مصر، حيث تضم شبكة متكاملة من الشوارع والمنازل والمنشآت العامة والميناء والمناطق التجارية والجبانات، بما يعكس التنوع الحضاري والثقافي الذي ميز مدن الساحل المصري خلال العصور القديمة.

ويمثل الكشف الأثري الجديد خطوة إضافية نحو استكمال فهم تاريخ هذه المدينة الفريدة، وتعزيز مكانتها كواحدة من أهم الوجهات الأثرية والثقافية الواعدة على ساحل البحر المتوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى