أخبار السياحةأخبار مصرمنوعات

بالصور| بعد 5 سنوات من العمل الدقيق.. قبة السلطان قايتباي تعود لتتوهج من جديد في قلب القاهرة التاريخية

تُعد قبة السلطان الأشرف قايتباي واحدة من أروع وأجمل نماذج العمارة المملوكية في مصر والعالم الإسلامي، وتُجسد ذروة الإبداع الفني والهندسي الذي بلغته الدولة المملوكية في القرن الخامس عشر الميلادي.

تقع القبة في قلب منطقة صحراء المماليك بالقاهرة التاريخية، ضمن المجموعة المعمارية التي شيدها السلطان الأشرف أبو النصر قايتباي عام 879هـ/1474م، لتصبح على مدار أكثر من خمسة قرون شاهدًا حيًا على عظمة العمارة الإسلامية وروعة الزخارف الحجرية التي اشتهر بها العصر المملوكي.

ولا تقتصر أهمية القبة على قيمتها المعمارية الفريدة، بل تُعد أيضًا أحد أبرز المعالم الأثرية التي تعكس ازدهار القاهرة في العصر المملوكي، بما تضمه من قبة حجرية بديعة، ونقوش قرآنية بخط الثلث، وأرضيات رخامية ملونة، ومحراب مزخرف، وعناصر فنية نادرة جعلتها تحفة معمارية تستقطب الباحثين والمهتمين بالتراث من مختلف أنحاء العالم، لتظل رمزًا خالدًا لفن العمارة الإسلامية وأحد الكنوز التي تحافظ على هوية مصر الحضارية عبر العصور.

في مشهد أعاد إلى صحراء المماليك بريقها التاريخي، افتتح  شريف فتحي وزير السياحة والآثار، والدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة، و روبرت سيلفرمان القائم بأعمال السفير الأمريكي بالقاهرة، القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي بعد الانتهاء من مشروع ترميم شامل استمر خمس سنوات كاملة، لتعود واحدة من أعظم روائع العمارة المملوكية إلى استقبال الزائرين والباحثين في ثوبها الأصلي الذي يجمع بين الجمال الفني والدقة التاريخية.

ويُعد هذا الافتتاح تتويجًا لمشروع علمي متكامل نُفذ تحت الإشراف الكامل للمجلس الأعلى للآثار وبتمويل من صندوق السفراء الأمريكي للحفاظ على التراث الثقافي، حيث شملت الأعمال توثيقًا أثريًا ومعماريًا دقيقًا، ومعالجة الرطوبة والأملاح، وتدعيم الجدران، وترميم الزخارف الحجرية والرخامية والخشبية، وإظهار الكتابات القرآنية بخط الثلث البارز، إضافة إلى إعادة تذهيب زخارف المحراب واستكمال أجزاء الزجاج الملون، بما حافظ على الطابع الفني والأثري الأصيل للقبة.

وقد قام الوزير ومرافقوه بجولة داخل القبة الضريحية، لتفقد ما تم تنفيذه من أعمال، كما استمعوا إلى شرح مفصل من السيدة أغنيشكا دوبروفولسكا حول مشروع الترميم حيث أوضحت إنه تم تنفيذه على مرحلتين، شملت المرحلة الأولى أعمال التوثيق والدراسات الأثرية، بما في ذلك الرفع المعماري، والدراسات الفنية، والترميم الدقيق للقبة النحاسية وكرسي المقرئ، فيما تضمنت المرحلة الثانية أعمال الترميم والصيانة الشاملة للعناصر المعمارية والزخرفية باستخدام أحدث الأساليب العلمية والمواد المتوافقة مع الطبيعة الأثرية للمبنى.

كما شمل المشروع أيضاً تنظيف العناصر الحجرية، ومعالجة الرطوبة والأملاح، وتدعيم الجدران وحقن الشروخ، وإظهار الكتابات والزخارف القرآنية، إلى جانب ترميم الشبابيك الجصية واستكمال الأجزاء المفقودة من الزجاج الملون، وصيانة العناصر الخشبية، وترميم العناصر الرخامية، ومعالجة زخارف المحراب وإعادة تذهيبها، بما يحافظ على الطابع الفني والأثري الأصلي للقبة.

وأعرب شريف فتحي عن سعادته بافتتاح القبة الضريحية ومشروع ترميمها، مؤكداً أنه يمثل محطة جديدة في مسيرة التعاون الممتدة بين الحكومة المصرية، ممثلة في وزارة السياحة والآثار والمجلس الأعلى للآثار، والولايات المتحدة الأمريكية، ممثلة في سفارتها بالقاهرة والحكومة الأمريكية، وهو تعاون يمتد لعقود ويشمل العديد من المجالات والمشروعات المشتركة.

وأوضح أن هذا التعاون لا يقتصر على مشروعات الترميم والحفاظ على التراث، بل يمتد ليشمل أعمال البعثات الأثرية، حيث تعمل في مصر نحو 50 بعثة أثرية أمريكية، إلى جانب برامج بناء القدرات، ودعم المجتمعات المحلية المحيطة بالمواقع الأثرية، بما يتماشى مع توجه الوزارة نحو تطبيق أحد محاور استراتيجيتها الحالية وهو تعزيز الأمن الاقتصادي الأثري والسياحي وتعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي من التراث الثقافي، وضمان استفادة المجتمعات المحلية من المشروعات الأثرية والسياحية.

كما أشار الوزير إلى التعاون الوثيق بين مصر والولايات المتحدة في مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية واسترداد الآثار التي خرجت من مصر بطرق غير مشروعة، موضحاً أنه خلال العام الماضي فقط استعادت مصر، بالتعاون مع الحكومة الأمريكية، حوالي 60 قطعة أثرية كانت قد خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة.

وأضاف أنه لمس خلال زيارته الأخيرة إلى نيويورك التزاماً حقيقياً من الجانب الأمريكي بهذا الملف، معرباً عن فخره بهذا التعاون الذي يسهم في إعادة التراث المصري إلى موطنه الأصلي، باعتباره إرثاً يخص مصر والإنسانية جمعاء.

وفي ختام كلمته، أعرب الوزير عن تقديره لجميع القائمين على المشروع، موجهاً الشكر إلى الجانب الأمريكي وإلى فرق العمل بالمجلس الأعلى للآثار، من مرممين وخبراء وكوادر فنية، مؤكداً أن ما يحققونه من إنجازات في مجال الحفاظ على التراث الثقافي يدعو إلى الفخر، ويعكس مستوى الخبرة والكفاءة التي يتمتع بها العاملون بالمجلس الأعلى للآثار.

وأضاف أن وزارة السياحة والآثار تواصل تنفيذ استراتيجيتها للحفاظ على التراث الثقافي المصري وصونه وفقًا لأحدث المعايير العلمية، بما يسهم في إبراز المقومات الحضارية الفريدة لمصر، وتعزيز تجربة الزائر.

وأكد السيد روبرت سيلفرمان، أن جهود الحفاظ على التراث الثقافي ليست مجرد توثيق للماضي، بل جسراً إلى المستقبل، مشيراً إلى أن دعم الولايات المتحدة لمشروعات صون التراث يعكس التزامها بالحفاظ على التاريخ المشترك، وتمكين المجتمعات المحلية، وبناء مستقبل أكثر أمناً وقوة وازدهاراً للبلدين.

وتؤكد الولايات المتحدة التزامها بالحفاظ على التراث الثقافي من خلال صندوق السفير الأمريكي للحفاظ على التراث الثقافي، وهو برنامج يوظف الموارد الأمريكية لحماية المباني التاريخية، والآثار، والمواقع الأثرية، والمجموعات المتحفية، والمقتنيات الإثنوغرافية، واللوحات الفنية، والمخطوطات، واللغات الأصلية، وغيرها من أشكال التعبير الثقافي التقليدي.

وفي مصر وحدها، استثمرت الولايات المتحدة أكثر من 3.5 مليون دولار في 17 مشروعاً من خلال هذا الصندوق، بما يعكس التزاماً طويل الأمد بحماية الإرث الثقافي المصري الغني.

ولم يقتصر ترميم ضريح السلطان قايتباي على الحفاظ على قيمته المعمارية والتاريخية، بل أسهم أيضاً في تنشيط المنطقة المحيطة به من خلال جذب أعداد متزايدة من الزوار.

ومن جانبه، أكد الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن ترميم هذا القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي يمثل نموذجا عالميا لما يمكن تحقيقه من خلال تكامل التعاون الدولي مع الخبرات المصرية، مشيراً إلى أن القبة الضريحية تعد إحدى أبرز جواهر العمارة المملوكية في القاهرة التاريخية، وأن أعمال الترميم التي استغرقت خمس سنوات، جسدت أعلى معايير الترميم العلمي والحفاظ الأثري، مما يضمن حماية وصون المناطق الأثرية والتاريخية في مصر وفق منهج علمي متكامل.

وأضاف أن كل أثر يتم ترميمه ليس مجرد شاهد على الماضي، بل يمثل جزءًا حياً من الهوية الوطنية والمستقبل الثقافي لمصر، لافتًا إلى أن تجهيز القبة لاستقبال الباحثين والزائرين والمجتمع المحلي يعزز من القيمة الحضارية لمنطقة صحراء المماليك.

وأوضح الدكتور ضياء زهران رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية بالمجلس الأعلى للآثار، أن القبة الضريحية للسلطان الأشرف قايتباي تتمتع بقيمة تاريخية ومعمارية استثنائية، إذ تُعد جزءًا من المجموعة المعمارية للسلطان، التي تضم المسجد، والسبيل، والكُتّاب، وحوش دفن العتقاء، إلى جانب قبة الكلشني (تربة أولاد السلطان)، التي أنشأها السلطان قبل توليه الحكم.

وأضاف أن القبة، الواقعة ملاصقة لإيوان القبلة، تُعد من أبدع نماذج العمارة المملوكية بما تضمه من زخارف حجرية ونباتية دقيقة، وأرضيات رخامية ملونة، ومحراب غني بالزخارف المذهبة، فضلًا عن القبة الحجرية الشهيرة التي يحيط برقبتها شريط كتابي بخط الثلث البارز يتضمن آيات قرآنية وينتهي بتاريخ إنشائها سنة 879هـ.

وأشار إلى أن القبة تضم قبر السلطان الأشرف قايتباي وقبر ابنه السلطان محمد قايتباي، كما تحتضن حجرًا من البازلت الأسود يُقال إنه يحمل بصمات قدمي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكان محل زيارة وتبرك عبر العصور، وهو ما يضفي على القبة قيمة تاريخية وروحية إلى جانب قيمتها المعمارية والفنية.

ويأتي افتتاح قبة السلطان الأشرف قايتباي بعد الانتهاء من أعمال ترميمها في إطار جهود وزارة السياحة والآثار للحفاظ على التراث الثقافي المصري، وتعزيز الاستفادة من المواقع الأثرية والتاريخية، بما يسهم في إبراز ثراء القاهرة التاريخية ودعم مكانتها كواحدة من أهم المقاصد السياحية والثقافية في العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى