المرأة.. حارسة التراث وصانعة ذاكرة الأجيال

المرأة.. حارسة التراث وصانعة ذاكرة الأجيال
الدكتورة نجوى بكر: المرأة المصرية تقود رحلة الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي
لا تقتصر حماية التراث على صون الآثار أو الحفاظ على المباني التاريخية، بل تمتد إلى كل ما يُشكل هوية الشعوب من لغة وعادات وحرف وفنون وحكايات شعبية. وفي هذا الإطار، تؤكد الدكتورة نجوى بكر، المحاضر الدولي ومدير التدريب بالمتحف القومي للحضارة المصرية، أن المرأة تُعد الركيزة الأساسية في الحفاظ على التراث الثقافي غير المادي، باعتبارها الجسر الذي تنتقل عبره ذاكرة المجتمع من جيل إلى آخر، بما يضمن استمرارية الهوية الثقافية وتعزيز قيم الانتماء.

أكدت الدكتورة نجوى بكر، المحاضر الدولي ومدير التدريب بالمتحف القومي للحضارة المصرية، أن التراث الثقافي غير المادي يمثل أحد أهم عناصر الهوية الوطنية، إذ لا يقتصر على المواقع الأثرية أو المقتنيات التاريخية، وإنما يشمل اللغة، والعادات، والتقاليد، والحكايات الشعبية، والأغاني، والحرف اليدوية، وفنون الطهي، وكل ما يعكس خصوصية المجتمعات ويمنحها طابعها المميز.
وأوضحت أن المرأة تلعب دورًا محوريًا في حماية هذا التراث، فهي أول من ينقل اللغة إلى الطفل، ويحفظ الأغاني الشعبية، ويروي الحكايات، ويغرس العادات والقيم، لتصبح هذه الممارسات جزءًا من شخصية الأبناء وذاكرة المجتمع.

وأضافت أن دور المرأة لا يتوقف عند نقل الموروث الثقافي، بل يمتد إلى الحفاظ على الحرف التقليدية والأزياء التراثية، وإعداد الأطعمة الشعبية، والمشاركة في المناسبات والاحتفالات التي تعبر عن الهوية الثقافية، بما يجعلها شريكًا رئيسيًا في استدامة التراث.
وأشارت إلى أن دراسة ميدانية أُجريت في عدد من القرى النوبية بمحافظة أسوان كشفت أن النساء يعتبرن التراث جزءًا من حياتهن اليومية، ويتجسد في اللغة النوبية، والحكايات المتوارثة، والأغاني الشعبية، والمشغولات اليدوية، والأزياء التقليدية، وهي عناصر ما زالت تُمارس داخل البيوت وتنتقل بين الأجيال.

ولفتت إلى أن العديد من النساء استطعن تحويل الحرف التراثية إلى مصدر للدخل، من خلال إنتاج المشغولات المصنوعة من سعف النخيل، وتصميم الحُلي والأزياء النوبية، بما يسهم في الحفاظ على الهوية الثقافية، وفي الوقت نفسه يدعم التنمية الاقتصادية للمجتمعات المحلية.

وأكدت أن اللغة تمثل أحد أهم عناصر التراث الثقافي غير المادي، محذرة من تراجع استخدام بعض اللغات المحلية نتيجة تغير أنماط الحياة، وهو ما دفع عددًا من السيدات إلى تعليم اللغة النوبية للأطفال داخل الأسرة، حفاظًا عليها باعتبارها وعاءً للذاكرة والثقافة والتاريخ.
وشددت الدكتورة نجوى بكر على أن صون التراث لا يتحقق بمجرد توثيقه، بل من خلال ممارسته في الحياة اليومية، فكل حرفة تُمارس، وكل أغنية تُردد، وكل قصة تُروى، تمثل خطوة جديدة في حماية التراث وضمان استمراره.

واختتمت حديثها بالتأكيد على أن تمكين المرأة وإشراكها في برامج الحفاظ على التراث يُعد ضرورة لتحقيق الاستدامة الثقافية، مشيرة إلى أن المرأة قادرة على الجمع بين حماية الموروث الثقافي ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما يتوافق مع رؤية اليونسكو التي تربط بين التراث والتنمية المستدامة، ليظل التراث حيًا في الذاكرة والممارسة، لا داخل المتاحف فقط، بل في تفاصيل الحياة اليومية.



