جبانة البوباسطيون تواصل مفاجآتها.. اكتشاف جديد يعزز مكانة سقارة كأكبر معمل مفتوح لعلم الآثار

لم تعد الاكتشافات الأثرية في سقارة مجرد أخبار متفرقة، بل أصبحت سلسلة متواصلة تعيد رسم خريطة واحدة من أهم الجبانات في العالم. ويأتي الكشف الأخير عن ثلاث مقابر صخرية من عصر الدولة الحديثة داخل جبانة البوباسطيون ليؤكد أن المنطقة ما زالت تخفي الكثير من أسرار الحضارة المصرية القديمة، ويضيف أدلة جديدة على تطور الحياة الإدارية والعسكرية والعلاقات الخارجية لمصر قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.

- جبانة البوباسطيون.. موقع يتجدد مع كل موسم حفائر
تقع جبانة البوباسطيون في الجزء الشرقي من منطقة آثار سقارة، وتُعد من أهم مناطق الحفائر الأثرية في السنوات الأخيرة.
ورغم شهرتها قديمًا باعتبارها جبانة للحيوانات المقدسة المرتبطة بالمعبودة باستت، فإن أعمال التنقيب أثبتت أنها تضم أيضًا مقابر لكبار رجال الدولة من عصور مختلفة، وهو ما يكشف عن تنوع الاستخدامات الجنائزية للموقع عبر التاريخ.

- ثلاث شخصيات بارزة تخرج إلى النور
أسفرت الحفائر عن الكشف عن ثلاث مقابر صخرية تعود إلى عصر الدولة الحديثة، تخص شخصيات شغلت مناصب مهمة داخل الدولة المصرية.
فالمقبرة الأولى تعود إلى “منتوحتب”، الذي حمل ألقابًا رفيعة، منها الأمير الوراثي، والعمدة، والمشرف على البلاد الأجنبية، والمشرف على جيش مدينة خبشيت، كما تضم مناظر لحاملي القرابين والصيد ومشهدًا يجمعه بوالدته.

أما المقبرة الثانية فتخص “بارع إم وايا” أو “ساموت”، كبير التجار ببيت بتاح، واحتفظت بأسماء أفراد أسرته، لتقدم نموذجًا نادرًا للحياة الأسرية للنخبة المصرية.
في حين تعود المقبرة الثالثة إلى “نحسي”، الذي حمل لقب المشرف على البيت، وتضمنت نصًا يشير إلى عودة أحد القادة من بلاد نهرن شمال سوريا، وهو ما يلقي الضوء على العلاقات المصرية مع الشرق الأدنى خلال الدولة الحديثة.
- الكشف الجديد ليس الأول في المنطقة
منذ بدء أعمال البعثة الأثرية المصرية في جبانة البوباسطيون عام 2018، تحولت المنطقة إلى واحدة من أكثر مواقع الحفائر نشاطًا في مصر.

وكانت البداية مع الكشف عن مقبرة الكاهن “واح تي” من الأسرة الخامسة، التي لفتت أنظار العالم بسبب نقوشها الملونة وحالتها المتميزة من الحفظ، قبل أن تتوالى الاكتشافات في المواسم التالية.
- خبيئة التوابيت والتماثيل البرونزية
في عام 2020 نجحت البعثة في الكشف عن أكثر من مائة تابوت خشبي مغلق بحالته الأصلية، إلى جانب عشرات التماثيل والأقنعة الجنائزية، وهو الكشف الذي اختير ضمن أهم الاكتشافات الأثرية عالميًا في ذلك العام.

وفي عام 2022 أعلنت وزارة السياحة والآثار عن العثور على أول وأكبر خبيئة للتماثيل البرونزية في جبانة البوباسطيون، ضمت نحو 150 تمثالًا برونزيًا لمعبودات مصرية، و250 تابوتًا خشبيًا ملونًا، إضافة إلى بردية كاملة من كتاب الموتى، وعشرات القطع الأثرية النادرة.
- ورش التحنيط تكشف أسرار المهنة
وخلال موسم حفائر 2023 أعلنت البعثة الكشف عن أكبر ورشتي تحنيط للآدميين والحيوانات في سقارة، إلى جانب أدوات ومواد التحنيط وتماثيل ومقابر جديدة، وهو الكشف الذي أتاح للباحثين فهمًا أعمق لطقوس الدفن وصناعة التحنيط خلال العصرين المتأخر والبطلمي.

- لماذا يحظى الكشف الجديد باهتمام الباحثين؟
تكمن أهمية الاكتشاف الحالي في أنه يضيف أسماء جديدة إلى سجل كبار رجال الدولة خلال عصر الدولة الحديثة، ويقدم نصوصًا هيروغليفية توثق المناصب الإدارية والعسكرية، كما يسلط الضوء على الحياة العائلية والعلاقات الخارجية لمصر القديمة، وهو ما يمنح علماء المصريات مادة علمية جديدة لإعادة دراسة تلك الفترة التاريخية.
- سقارة.. كتاب لم تُقرأ كل صفحاته بعد
يرى علماء الآثار أن الكشف الأخير يؤكد أن جبانة البوباسطيون لا تزال تحتفظ بمناطق لم تُستكشف بعد، خاصة مع استمرار أعمال الحفر داخل آبار الدفن والقطاعات الشرقية من الموقع، ما يرجح الإعلان عن اكتشافات جديدة خلال المواسم المقبلة، لتظل سقارة واحدة من أهم المواقع الأثرية القادرة على إعادة كتابة تاريخ مصر القديمة.



