خبير آثار: مصر القديمة عرفت نظامًا تعليميًا متكاملًا سبق الجامعات الحديثة بآلاف السنين

مع إعلان نتيجة الثانوية العامة، تتجدد أحلام آلاف الطلاب في الالتحاق بالجامعات واختيار مستقبلهم العلمي، إلا أن التاريخ يكشف أن مصر كانت من أوائل دول العالم التي عرفت نظامًا تعليميًا متكاملًا يبدأ من الطفولة وينتهي بالتخصص في مؤسسات علمية كبرى.
ويؤكد خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان أن المصري القديم لم ينظر إلى التعليم باعتباره وسيلة لاكتساب المعرفة فقط، بل اعتبره أساسًا لبناء الدولة وصناعة الكفاءات التي أدارت شؤونها وأسهمت في ازدهار حضارتها.

قال الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، إن التعليم في مصر القديمة كان يعتمد على نظام متدرج يبدأ من تنمية مهارات الطفل الأساسية، ثم ينتقل إلى إعداد الكوادر الإدارية والعلمية، وصولًا إلى الدراسة المتخصصة داخل مؤسسات عرفت باسم “بر عنخ” أو “بيت الحياة”، والتي تعد من أقدم المؤسسات العلمية في التاريخ.
وأوضح أن المصريين القدماء أطلقوا على المدرسة اسم “عت سبا” أي “بيت التعليم”، بينما كان المعلم يحظى بمكانة رفيعة ويحمل لقب “سباو” أي المرشد أو الهادي، في إشارة إلى دوره في توجيه الطلاب علميًا وأخلاقيًا.

وأشار إلى أن الطفل كان يبدأ التعلم في سن مبكرة، حيث يدرس القراءة والكتابة والحساب، إلى جانب مبادئ الأخلاق والانضباط واحترام الآخرين، فضلًا عن ممارسة الأنشطة البدنية التي تهدف إلى إعداد جيل يتمتع بالقوة والصحة إلى جانب العلم.

وأضاف أن المصري القديم استخدم وسائل تعليمية بسيطة وفعالة، فكان الطلاب يتدربون على الكتابة باستخدام الشقفات الفخارية والألواح الحجرية والأخشاب المغطاة بطبقة من الجص، بينما كان المعلم يصحح الأخطاء بالحبر الأحمر، وهو أسلوب يعكس دقة العملية التعليمية واهتمامها بالتدريب المستمر.

وأوضح أن المرحلة التالية كانت تعتمد على التدريب العملي، حيث ينتقل الطلاب المتفوقون إلى الدواوين الحكومية لاكتساب الخبرة في أعمال الإدارة والكتابة والحساب، في الوقت الذي كان فيه أبناء الحرفيين والفلاحين يتعلمون المهن داخل أسرهم، بما يضمن استمرار الصناعات والحرف التقليدية عبر الأجيال.
وأكد الدكتور ريحان أن “بيت الحياة” لم يكن مجرد مدرسة، بل كان مركزًا علميًا متكاملًا تُدرس فيه علوم الطب والصيدلة والهندسة والفلك والرياضيات والأدب والعمارة والموسيقى، كما كان يضم مكتبات ضخمة لحفظ المخطوطات وإعداد العلماء والكتبة والكهنة.

وأشار إلى أن العديد من الاكتشافات الأثرية أثبتت وجود هذه المؤسسات التعليمية، من بينها المدرسة الملحقة بمعبد الرامسيوم في الأقصر، ومراكز التعليم في تل العمارنة، وأبيدوس، وأون، وتل بسطا، حيث عُثر على أدوات ووسائل استخدمها الطلاب في التدريب على الكتابة والدراسة.
ولفت إلى أن المرأة المصرية القديمة تمتعت بحق التعليم مثل الرجل، ووصلت إلى أعلى المناصب في الدولة، فبرزت طبيبات وقاضيات وكاهنات ووزيرات، وهو ما يعكس المكانة المتقدمة التي حظيت بها المرأة داخل المجتمع المصري القديم.
واختتم الدكتور عبد الرحيم ريحان تصريحاته بالتأكيد على أن تجربة التعليم في مصر القديمة تقدم نموذجًا حضاريًا متقدمًا، إذ جمعت بين بناء الشخصية، والتدريب العملي، والتخصص العلمي، وأسهمت في إعداد أجيال استطاعت تشييد واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها التاريخ، لتظل مصر رائدة في مجال العلم والمعرفة منذ آلاف السنين.



