«ده النيل وده الهرم».. خبير آثار يحذر من تأثير «بالون الأهرامات» على هوية الموقع

أثار مشروع البالون الثابت بمنطقة أهرامات الجيزة جدلًا بين المتخصصين في الآثار والتراث، حيث أعلن الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، رفضه للمشروع، مؤكدًا ضرورة إعادة النظر في مدى توافقه مع طبيعة الموقع وقيمته التاريخية والاستثنائية.
وأكد ريحان أن منطقة الأهرامات ليست مجرد مقصد سياحي، وإنما تمثل أحد أهم رموز الهوية المصرية، فضلًا عن كونها رمزًا عالميًا يرتبط باسم مصر، مشيرًا إلى أن الهرم الأكبر هو العجيبة الوحيدة الباقية من عجائب الدنيا السبع القديمة.
وأوضح أن خصوصية الموقع تفرض التعامل معه باعتباره منطقة ذات قيمة حضارية استثنائية، لافتًا إلى أن الزائر يستطيع الاستمتاع بركوب البالون في العديد من المقاصد السياحية المصرية، بينما لا يمكنه زيارة الأهرامات إلا في موقعها الأصلي.
الأهرامات على قائمة التراث العالمي منذ 1979
وأشار خبير الآثار إلى أن منطقة الأهرامات سُجلت ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو عام 1979 تحت اسم «ممفيس ومقبرتها – منطقة الأهرام من الجيزة إلى دهشور»، باعتبارها ذات قيمة عالمية استثنائية.
وتساءل ريحان عن مدى توافق المشروع مع متطلبات الحفاظ على المواقع المسجلة على قائمة التراث العالمي، قائلًا إن أي أعمال تطوير أو إضافة خدمات داخل هذه المناطق يجب أن تراعي أصالة الموقع وقيمته الاستثنائية وطبيعته الأثرية والجيولوجية.

أين دور اليونسكو والمرشدين السياحيين؟
وطرح الدكتور عبد الرحيم ريحان عددًا من التساؤلات حول الجهات التي تم التنسيق معها قبل تنفيذ المشروع، وعلى رأسها منظمة اليونسكو والمرشدون السياحيون وشركات السياحة والمجتمع المحلي.
وتساءل: «هل تمت موافقة اليونسكو؟ وهل تم التنسيق مع المرشدين السياحيين؟».
وأشار إلى أهمية دور المرشد السياحي في نقل المعلومات الخاصة بالحضارة المصرية إلى الزائرين، واصفًا إياه بأنه سفير لمصر أمام السائحين من مختلف دول العالم.

كما أكد أهمية إشراك شركات السياحة في مناقشة المشروعات التي تؤثر على منظومة الزيارة السياحية بالمنطقة.
مسافة البالون تثير تساؤلات حول حرم الأثر
وانتقد ريحان إقامة البالون على مسافة قيل إنها تصل إلى نحو كيلومترين من الأهرامات ونحو 2.2 كيلومتر من تمثال أبو الهول بهدف الحفاظ على الرؤية البانورامية للموقع.
وأوضح أن حماية المشهد البصري للأثر لا تتعلق فقط بموقع الأثر نفسه، وإنما تمتد إلى حرم الأثر، الذي اعتبره جزءًا لا يتجزأ من الموقع الأثري، مشيرًا إلى قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983.
وأكد أن وجود أي مشروع داخل نطاق حرم الأثر يستوجب، بحسب رؤيته، مراجعة الإجراءات القانونية والحصول على موافقات الجهات الأثرية المختصة.
وتساءل عن موقف اللجنة الدائمة للآثار المصرية من المشروع، مؤكدًا أن الإعلان عنه جاء بصورة مفاجئة بالنسبة للمتخصصين، دون أن يسبقه وفق قوله إعلان واضح عن الإجراءات والموافقات الخاصة به.
- خلاف حول حقوق تشغيل خدمات الزيارة
وكشف ريحان عن جانب آخر من الأزمة يتعلق بخلاف تجاري حول تشغيل المشروع، موضحًا أن الشركة المسؤولة عن إدارة خدمات الزيارة في هضبة الأهرامات ترى أن نشاط البالون يدخل ضمن نطاق حقوقها الحصرية وفقًا لتعاقدها مع المجلس الأعلى للآثار.
وأشار إلى أن هذا الأمر أدى إلى ظهور خلاف قانوني حول الجهة صاحبة الحق في تشغيل النشاط.
- خبير آثار: كان يجب إشراك المجتمع المحلي والمتخصصين
وأكد مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ضرورة إشراك المجتمع المحلي والمتخصصين في الآثار والسياحة والتراث عند طرح مشروعات جديدة داخل المناطق ذات القيمة التاريخية.
وأشار إلى أن عددًا من المؤسسات والجمعيات الأهلية المهتمة بالتراث فوجئت بالمشروع، إلى جانب عدد من المتخصصين في المجال، معتبرًا أن طرح مثل هذه المشروعات للنقاش المجتمعي يساهم في الوصول إلى أفضل صيغة للحفاظ على التراث المصري.
- المتحف المصري الكبير يقدم بانوراما أكثر قيمة للأهرامات
ولفت ريحان إلى أن منطقة الأهرامات تتمتع بهوية بصرية خاصة، مؤكدًا أن الإطلالة المباشرة على الأهرامات الثلاثة من خلال الواجهة الزجاجية للمتحف المصري الكبير تمثل تجربة بصرية مميزة تجمع بين القيمة الحضارية والعمارة الحديثة.
ويرى أن هذه الإطلالة توفر بانوراما فريدة للأهرامات، ولا تستدعي – من وجهة نظره – إضافة عناصر ترفيهية أخرى قد تؤثر على المشهد البصري للموقع.

- «ده النيل وده الهرم.. دي مصر يا عبلة»
واستعاد الدكتور ريحان أحد أشهر مشاهد السينما المصرية من فيلم «الصعود إلى الهاوية»، عندما ظهرت معالم مصر من الطائرة أثناء العودة إلى الوطن، ليقول الفنان محمود ياسين للفنانة مديحة كامل: «ده النيل وده الهرم.. دي مصر يا عبلة».
وتساءل ريحان: «إذا أُعيد هذا المشهد في وجود البالون، فهل يمكن أن نقول: ده النيل وده البالون.. دي مصر يا عبلة؟».
«با لون رع».. رسالة ساخرة في ختام الانتقادات
واختتم ريحان تصريحاته بالتأكيد على أن مصر تمتلك ثلاثة أهرامات كبرى، إلى جانب الأهرامات الأخرى التي يصل عددها إلى 138 هرمًا.
وأشار إلى أسماء أصحاب الأهرامات الثلاثة الكبرى: خوفو، وخع إف رع، ومن كاو رع، قبل أن يطرح تساؤلًا ساخرًا بشأن إضافة عنصر جديد إلى المشهد التاريخي للأهرامات قائلًا:
«فهل يليق أن نضيف لهم هرمًا رابعًا باسم با لون رع؟».



