أخبار السياحةمنوعات

الإسكندرية.. عروس البحر المتوسط التي كتبت فصولًا من تاريخ العالم وتواصل جذب عشاق الحضارة والساحل

منارة العالم القديم وعروس المتوسط.. لماذا تظل الإسكندرية مدينة لا تشبه غيرها؟

ليست الإسكندرية مجرد مدينة ساحلية تطل على البحر المتوسط، بل صفحة مضيئة من تاريخ الإنسانية، ومتحفًا مفتوحًا يجمع بين الحضارات القديمة والحياة العصرية. وفي عيدها القومي، تتجدد الحكاية عن مدينة أسسها الإسكندر الأكبر، واحتضنت العلماء والفلاسفة والملوك، وما زالت حتى اليوم واحدة من أهم المقاصد السياحية والثقافية في مصر والشرق الأوسط.

يأتي الاحتفال بالعيد القومي لمحافظة الإسكندرية كل عام ليعيد إلى الأذهان تاريخ مدينة لم تكن يومًا مجرد عاصمة أو ميناء بحري، بل كانت مركزًا عالميًا للعلم والثقافة والتجارة، وواحدة من أكثر المدن تأثيرًا في تاريخ البحر المتوسط. فمنذ تأسيسها قبل أكثر من 2300 عام، نجحت الإسكندرية في أن تجمع بين حضارات متعددة، وأن تترك بصمة لا تزال حاضرة في وجدان العالم حتى اليوم.

وتأسست الإسكندرية عام 331 قبل الميلاد على يد القائد المقدوني الإسكندر الأكبر، الذي اختار موقعها بعناية ليجعل منها حلقة وصل بين الشرق والغرب، وسرعان ما تحولت إلى عاصمة لمصر في العصر البطلمي، وإحدى أعظم مدن العالم القديم، حيث ازدهرت فيها التجارة والعلوم والفنون والفلسفة.

وشهدت المدينة خلال العصر البطلمي نهضة غير مسبوقة، فاحتضنت مكتبة الإسكندرية القديمة التي كانت أكبر مركز للمعرفة في العالم القديم، وضمت مئات الآلاف من المخطوطات في مختلف العلوم، وأصبحت مقصدًا للعلماء والمفكرين من مختلف أنحاء العالم، بينما ارتفعت منارة الإسكندرية شامخة على جزيرة فاروس لتصبح إحدى عجائب الدنيا السبع، وتهدي السفن القادمة إلى شواطئ المدينة.

ومع تعاقب العصور اليونانية والرومانية والبيزنطية ثم الإسلامية، احتفظت الإسكندرية بمكانتها كمدينة نابضة بالحياة، وانعكس هذا التنوع الحضاري في آثارها التي لا تزال شاهدة على عظمة الماضي، حيث تضم المدينة عددًا كبيرًا من المواقع الأثرية التي تستقطب الزائرين من داخل مصر وخارجها.

وتأتي قلعة قايتباي في مقدمة هذه المعالم، إذ شُيدت في القرن الخامس عشر على أنقاض منارة الإسكندرية القديمة، لتصبح واحدة من أهم القلاع الإسلامية المطلة على البحر المتوسط، بينما يكشف المسرح الروماني بمنطقة كوم الدكة عن جانب من الحياة الثقافية والفنية خلال العصر الروماني، بما يضمه من مدرجات وأعمدة وآثار معمارية مميزة.

كما يمثل عمود السواري أحد أشهر رموز المدينة، وهو أكبر عمود تذكاري روماني في مصر، في حين تأخذ سراديب كوم الشقافة زائريها في رحلة إلى عالم يجمع بين الفن المصري القديم والتأثيرات اليونانية والرومانية، لتقدم نموذجًا فريدًا للتفاعل الحضاري الذي عرفت به الإسكندرية عبر تاريخها.

ولا تقتصر ثروة المدينة على المواقع الأثرية، بل تمتلك مجموعة متميزة من المتاحف التي تحافظ على ذاكرتها التاريخية، وفي مقدمتها المتحف اليوناني الروماني، الذي يعرض آلاف القطع الأثرية التي توثق لفترات تاريخية مختلفة، إلى جانب المتحف القومي بالإسكندرية، الذي يروي تاريخ المدينة منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى العصر الحديث، ومتحف المجوهرات الملكية الذي يضم مقتنيات أسرة محمد علي باشا.

وتواصل مكتبة الإسكندرية الحديثة حمل رسالة المدينة الثقافية، بعدما أصبحت واحدة من أهم المؤسسات العلمية في العالم، حيث تضم ملايين الكتب والوثائق، وتستضيف مؤتمرات دولية وفعاليات ثقافية وفنية وبحثية، لتؤكد أن الإسكندرية ما زالت مدينة للعلم والمعرفة كما كانت قبل آلاف السنين.

وإلى جانب هذا الإرث الحضاري، تتمتع الإسكندرية بطبيعة ساحلية جعلتها من أشهر المصايف المصرية، حيث يمتد كورنيشها لعشرات الكيلومترات، وتتنوع شواطئها بين العامة والخاصة، بينما تمنح أجواؤها المعتدلة نسبيًا في فصل الصيف تجربة مختلفة للزائرين.

وتشتهر المدينة أيضًا بأحيائها التاريخية التي ما زالت تحتفظ بطابعها المعماري المميز، مثل المنشية ومحطة الرمل وبحري، فضلًا عن أسواقها الشعبية ومقاهيها العريقة التي ارتبطت بأسماء كبار الأدباء والمثقفين، لتصبح الإسكندرية مدينة تمتزج فيها رائحة البحر بعبق التاريخ.

وخلال السنوات الأخيرة، شهدت المدينة اهتمامًا متزايدًا بتطوير المواقع الأثرية والمتاحف ورفع كفاءة الخدمات السياحية، بما يعزز من قدرتها على استقبال الزائرين، ويواكب مكانتها كواحدة من أهم الوجهات السياحية والثقافية في مصر.

ويمثل العيد القومي للإسكندرية مناسبة لتجديد الاعتزاز بتاريخ مدينة استطاعت أن تحافظ على هويتها رغم مرور القرون، وأن تظل رمزًا للتسامح والتنوع الثقافي، ونموذجًا حيًا لالتقاء الحضارات على أرض مصر.

واليوم، لا تزال الإسكندرية تستقبل ملايين الزائرين سنويًا، سواء للاستمتاع بشواطئها، أو لاكتشاف آثارها، أو التجول بين شوارعها التي تحمل حكايات من مختلف العصور، لتبقى بحق “عروس البحر المتوسط”، ومدينة لا يمل زائرها من العودة إليها، لأن كل زاوية فيها تروي قصة، وكل معلم فيها يحمل شاهدًا على حضارة صنعت تاريخ العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى