أخبار السياحةأخبار مصرمنوعات

أبطال خلف الكواليس.. هكذا خرج شاهد قبر أثري إلى النور بعد آلاف السنين في تل الدير بدمياط

وراء كل كشف أثري يثير اهتمام العالم، هناك وجوه لا تظهر كثيرًا أمام الكاميرات، لكنها تقضي أيامًا وأسابيع وربما أشهرًا في الحفر والبحث والتوثيق، حتى تخرج قطعة أثرية من باطن الأرض لتحكي قصة حضارة امتدت لآلاف السنين.

وفي منطقة تل الدير بمحافظة دمياط، نجح فريق من الأثريين والمرممين المصريين في تحقيق كشف أثري جديد، لم يكن مجرد العثور على شواهد قبور أو تمائم وتوابيت، بل كشف أعاد تسليط الضوء على واحدة من أهم الجبانات القديمة في شرق دلتا النيل، وأثبت أن أرض مصر ما زالت تخفي بين طبقاتها صفحات جديدة من التاريخ تنتظر من يقرأها.

** أبطال خلف الكواليس.. أيادٍ مصرية تحرس التاريخ

في الوقت الذي يركز فيه الجميع على القطع الأثرية بعد استخراجها، يعمل فريق البعثة الأثرية المصرية بعيدًا عن الأضواء، وسط درجات حرارة مرتفعة وظروف ميدانية دقيقة، مستخدمين أدوات بسيطة وخبرة علمية كبيرة لضمان الحفاظ على كل قطعة كما هي.

وكانت لحظة استخراج أحد شواهد القبور الحجرية من باطن الأرض هي الأكثر تأثيرًا، بعدما وثقها أعضاء البعثة خلال ساعات من العمل المتواصل، حيث خرج الشاهد الأثري لأول مرة إلى النور بعد أن ظل مدفونًا لقرون طويلة.

هذه اللحظة لم تكن مجرد نجاح في أعمال الحفائر، بل كانت تتويجًا لجهود فريق كامل من علماء الآثار والمرممين والإداريين الذين تعاملوا مع كل طبقة من التربة بحذر شديد، حتى لا تتعرض القطع الأثرية لأي تلف.

وضم فريق البعثة رضا صالح، مدير عام آثار دمياط ورئيس البعثة، وإبراهيم عزت نائب رئيس البعثة، وداليا جودة مدير موقع الحفائر، وأعضاء البعثة أميمة محمد حسن، وشرويت عاشور، وفاطمة عصفور، ومحمد رمضان، وميادة محمد المتولي، إلى جانب أحمد مسعود إداري الحفائر.

كما شارك في أعمال الحفاظ على القطع المكتشفة فريق الترميم الذي ضم حامد كامل، وعلي دحليش، وإبراهيم سليمان، الذين تولوا تأمين القطع الأثرية فور استخراجها تمهيدًا لدراستها وترميمها وفقًا للمعايير العلمية.

** تل الدير.. موقع أثري يكشف أسراره من جديد

وجاء هذا الإنجاز ضمن أعمال البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، التي تواصل موسم حفائرها بمنطقة تل الدير في محافظة دمياط، حيث نجحت في الكشف عن مجموعة من شواهد القبور الحجرية، والتوابيت الفخارية، والتمائم الجنائزية، بالإضافة إلى المباخر والمسارج المزخرفة.

ويعد هذا الكشف من أبرز الاكتشافات الأثرية في دلتا النيل خلال الفترة الأخيرة، لما يقدمه من معلومات جديدة حول طبيعة الموقع، ودوره خلال العصور المصرية واليونانية والرومانية.

** المجلس الأعلى للآثار: تل الدير كان مركزًا جنائزيًا متكاملًا

وأكد الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن المجلس يواصل تقديم الدعم الكامل للبعثات الأثرية المصرية تنفيذًا لتوجيهات السيد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، بما يضمن استمرار أعمال البحث والكشف العلمي في مختلف المواقع الأثرية.

وأوضح أن نتائج الحفائر الحالية تؤكد أن منطقة تل الدير لم تكن مجرد مكان لدفن الموتى، وإنما كانت مركزًا جنائزيًا متكاملًا يعكس هوية اجتماعية وثقافية وعقائدية واضحة، وهو ما يمنح الباحثين فرصة لفهم طبيعة المجتمعات التي عاشت في المنطقة خلال فترات تاريخية متعاقبة.

وأشار إلى أن الموقع يحتفظ بطبقات أثرية غنية تساعد في إعادة رسم خريطة الجبانات القديمة في دلتا مصر، كما تسهم في إعادة قراءة تاريخ محافظة دمياط، التي أثبتت الاكتشافات الحديثة أنها تضم مواقع أثرية ذات أهمية كبيرة.

** 20 شاهد قبر يروون قصص أصحابها

وكشف محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، أن البعثة عثرت على نحو عشرين شاهد قبر من الحجر الجيري، نُحتت بعناية فائقة في هيئة آدمية، وهو ما يعكس المستوى المتقدم الذي وصلت إليه الفنون في تلك الفترة.

وأوضح أن هذه الشواهد تحمل قيمة تاريخية وفنية كبيرة، إذ لم تكن مجرد علامات توضع فوق المدافن، بل تضمنت رموزًا وزخارف تعبر عن المعتقدات الدينية والمكانة الاجتماعية لأصحابها، وهو ما يفتح الباب أمام الباحثين لفهم طبيعة المجتمع الذي عاش في المنطقة.

** رموز دينية تكشف تفاعل الحضارات

ومن بين أبرز ما يميز شواهد القبور المكتشفة، احتواؤها على رموز دينية وفنية، مثل الجريفون، والأجاثاديمون، وإيزيس ثيرموتيس، وهي عناصر تكشف عن تفاعل الحضارة المصرية القديمة مع التأثيرات اليونانية والرومانية.

ويرى علماء الآثار أن هذه النقوش تقدم دليلًا مهمًا على التنوع الثقافي الذي شهدته منطقة شرق الدلتا، حيث امتزجت المعتقدات المصرية بعناصر وافدة، لتنتج طرازًا فنيًا يعكس خصوصية تلك المرحلة التاريخية.

** توابيت وتمائم ومباخر تعيد رسم الطقوس الجنائزية

ولم تقتصر الاكتشافات على شواهد القبور، بل عثرت البعثة أيضًا على مجموعة كبيرة من التوابيت الفخارية الآدمية ذات الطراز البرميلي، إلى جانب المباخر الفخارية والمسارج المزخرفة، فضلًا عن عدد من التمائم الجنائزية.

وتوضح هذه المكتشفات طبيعة الطقوس التي كانت تُمارس خلال مراسم الدفن، كما تقدم صورة أكثر وضوحًا عن المعتقدات المرتبطة بالحياة الأخرى، وتكشف تطور الشعائر الجنائزية منذ العصر المتأخر وحتى نهاية العصر الروماني.

** تل الدير.. سجل مفتوح لتاريخ دمياط القديمة

ويرى المتخصصون أن أهمية الكشف لا تقتصر على القطع الأثرية المكتشفة، بل تمتد إلى القيمة العلمية للموقع نفسه، الذي أصبح يمثل سجلًا أثريًا يوثق تطور الحياة الاجتماعية والعقائدية في دلتا النيل عبر قرون طويلة.

كما يعزز هذا الكشف مكانة تل الدير كواحد من أهم المواقع الأثرية في شرق الدلتا، ويؤكد أن محافظة دمياط لا تقتصر على تاريخها البحري والتجاري، بل تمتلك أيضًا تراثًا أثريًا غنيًا لا يزال يخفي الكثير من الأسرار.

** كل كشف يبدأ بحبة تراب

قد يرى الزائر في النهاية شاهد قبر أو تميمة أو تابوتًا داخل متحف، لكنه لا يرى الرحلة الطويلة التي سبقت وصول هذه القطع إلى قاعات العرض، رحلة تبدأ بحبة تراب، وساعات من الحفر، وأيام من التوثيق، وجهود عشرات الأيدي المصرية التي تعمل بصمت حتى يعود التاريخ إلى الحياة.

وهكذا، يضيف كشف تل الدير صفحة جديدة إلى سجل الاكتشافات الأثرية المصرية، ويؤكد أن البعثات المصرية لا تكتفي بالحفاظ على التراث، بل تواصل إعادة اكتشافه، لتبقى الحضارة المصرية القديمة مصدر إلهام للعالم، ولتظل أسماء هؤلاء الأبطال، وإن بقيت خلف الكواليس، جزءًا أصيلًا من كل إنجاز أثري تحققه مصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى