من حكايات النيل إلى أسرار التوابيت.. 3 متاحف تكشف وجوهًا جديدة من تاريخ مصر

ليست المتاحف مجرد قاعات تضم قطعًا أثرية خلف فاترينات زجاجية، وإنما مساحات مفتوحة لاستعادة تفاصيل من حياة المصريين عبر آلاف السنين؛ فكل قطعة تحمل قصة، وكل نقش يكشف معتقدًا، وكل حرفة تعكس جانبًا من الحياة اليومية التي صنعت ملامح الحضارة المصرية.
ومن هذا المنطلق، تواصل المتاحف المصرية تنظيم المعارض المؤقتة والأنشطة الثقافية والفنية التي تقدم التاريخ والتراث للجمهور بأساليب متنوعة، وتربط المقتنيات الأثرية بالسياق الذي ظهرت فيه.

وخلال الفترة الحالية، تشهد متاحف مطار القاهرة الدولي – مبنى الركاب (3)، وشرم الشيخ، وتل بسطا مجموعة من الفعاليات والمعارض التي تأخذ الزائر في ثلاث رحلات مختلفة؛ الأولى إلى عالم الحرف التراثية ونهر النيل، والثانية إلى الفن والذاكرة القبطية، والثالثة إلى عالم الموت والبعث والخلود عند المصري القديم.

متحف مطار القاهرة.. حين تتحول الحرفة إلى حكاية تاريخية
احتفل متحف مطار القاهرة الدولي – مبنى الركاب (3) بعيد وفاء النيل من خلال فعالية ثقافية وفنية حملت عنوان «الحرف التراثية بين الماضي والحاضر»، نظمها المتحف بالتعاون مع أكاديمية الفنون، وتحت رعاية الدكتورة سمر سعيد، عميد المعهد العالي للفنون الشعبية، وذلك بمتحف الفنون الشعبية.

وجاءت الفعالية لتربط بين نهر النيل والحياة التي قامت على ضفافه، ليس فقط من الناحية الزراعية والاقتصادية، وإنما باعتباره عنصرًا أساسيًا في تشكيل الثقافة والحرف والفنون المصرية عبر العصور.
وتضمنت الفعاليات محاضرة توعوية تناولت دور نهر النيل في قيام الحضارة المصرية واستمرار الحياة، إلى جانب التوعية بأهمية الحفاظ على المياه وترشيد استهلاكها.

قطع أثرية تحكي قصة الحرف المصرية
ولم تتوقف الفعالية عند المحاضرات، وإنما اعتمدت على التفاعل المباشر مع الأطفال، الذين تعرفوا على عدد من الحرف التراثية المرتبطة بالبيئة المصرية، ومنها صناعة البردي والفخار والنسيج.
واستعانت الفعالية بنماذج من مقتنيات متحف مطار القاهرة الدولي، من بينها صورة لإناء فخاري يرجع إلى عصر ما قبل الأسرات، وبردية الكاهن «باك إن موت» من العصر المتأخر، إلى جانب أيقونة الشهيد مارجرجس المنفذة على الكتان من العصر القبطي.

وشهدت الفعالية تنظيم عدد من الأنشطة التفاعلية والمسابقات، بما ساعد الأطفال على التعرف على التراث بطريقة تجمع بين التعليم والترفيه.
كما تضمنت ورشة فنية لتلوين نماذج مستوحاة من القطع الأثرية والحرف التراثية، قبل أن تختتم الفعاليات بورشة للحكي بالعرائس قدمتها الفنانة نيرفانا محمد، مصممة العرائس القفازية.

- في شرم الشيخ.. «الحجر» يلتقي «الحبر»
ومن نهر النيل والحرف التراثية، تنتقل الرحلة إلى متحف شرم الشيخ، حيث يستقبل الزائر معرضًا مؤقتًا بعنوان «الحجر.. والحبر»، تحت شعار «حين يحكي الحجر… ثم يُكمل الحبر الحكاية».

ويقام المعرض داخل القاعة البيزنطية بالمتحف، ويستمر لمدة ثلاثة أشهر، مقدمًا مجموعة مختارة من المقتنيات الأثرية والفنية التي تلقي الضوء على جوانب من الفن والذاكرة القبطية عبر أربعة عشر قرنًا.
وتوضح فكرة المعرض كيف تطورت وسائل التعبير وحفظ الذاكرة، بداية من الصورة والرمز المنفذين على الحجر، ثم اللون الذي ظهر بقوة في الأيقونات، وصولًا إلى الكلمة التي حملتها المخطوطات.

يوسف الصديق وأيقونات ومخطوطات
ويضم المعرض عددًا من القطع المميزة، من بينها مشهد يوسف الصديق في طريقه إلى مصر، إلى جانب مشهد من عالم الصيد.
كما يضم أيقونة تصور زيارة أليصابات للعذراء، بالإضافة إلى القطمارس السنوي الذي يجمع بين الكتابة والزخرفة وتنوع الألوان.

ولا يقدم المعرض القطع باعتبارها أعمالًا فنية منفصلة، وإنما يضعها في سياقها الحضاري، بما يسمح للزائر بالتعرف على القصص والدلالات التي ارتبطت بها، وكيف أسهمت الفنون والكتابات في الحفاظ على الذاكرة ونقلها من جيل إلى آخر.
- «شفرة تابوت».. ماذا تخبرنا توابيت المصريين القدماء؟
وفي محافظة الشرقية، يأخذ متحف تل بسطا الزائر إلى عالم مختلف تمامًا من خلال معرض «شفرة تابوت»، الذي يفتح نافذة على العقيدة الجنائزية لدى المصري القديم، ورحلته التي تصورها نحو العالم الآخر.

ويضم المعرض 89 قطعة أثرية، بينها تابوت خشبي آدمي نادر، يحمل نصوصًا ونقوشًا جنائزية مكتوبة بالهيروغليفية، إلى جانب 88 تمثالًا من تماثيل الأوشابتي.
وتكشف هذه المجموعة جانبًا من المعتقدات التي ارتبطت بالحياة بعد الموت، ودور المتوفى في العالم الآخر، وكذلك التصورات المتعلقة بالبعث والخلود.
- الأوشابتي.. لماذا وضعها المصري القديم في المقابر؟
وتكتسب تماثيل الأوشابتي أهمية خاصة في المعرض، إذ ترتبط بالعقيدة الجنائزية المصرية القديمة، وتساعد في التعرف على جانب من التصورات التي ارتبطت برحلة المتوفى بعد الموت.

ويحاول المعرض تقديم الرموز والنصوص الجنائزية بطريقة مبسطة تساعد الزائر على فهم ما وراء النقوش، وما تحمله من أفكار ومعتقدات حول الموت والبعث والحياة الأبدية.
ويستمر معرض «شفرة تابوت» حتى 30 سبتمبر 2026.
- المتحف.. من مكان لعرض الآثار إلى تجربة تحكي التاريخ
وتعكس هذه المعارض والفعاليات توجه المتاحف المصرية إلى تقديم التراث بصورة أكثر قربًا من الجمهور، من خلال الجمع بين العرض المتحفي والأنشطة التفاعلية والحكي والفنون.

ففي متحف مطار القاهرة، تتحول الحرف التراثية إلى وسيلة للتعرف على علاقة المصري بالبيئة والنيل، وفي متحف شرم الشيخ تتكامل الصورة واللون والكلمة لرواية جانب من الذاكرة القبطية، بينما يكشف متحف تل بسطا عن عالم المعتقدات الجنائزية وأسرار رحلة المصري القديم نحو الخلود.

وهكذا يصبح المرور داخل المتحف رحلة عبر الزمن، تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية والحرف، وتمر بالفنون والكتابات، وتنتهي عند الأسئلة الكبرى التي شغلت المصري القديم حول الموت والبعث والحياة الأبدية.



