«بيسيختيس» يعود من 18 قرنًا.. مرثية يونانية تكشف أسرار مقبرة بئر الشغالة

مدخل حجري فريد ونقوش من «الإيمي دوات» ومرثية يونانية من 19 سطرًا تكشف جانبًا من الحياة الثقافية بالعصر الروماني
في قلب الواحات الداخلة بمحافظة الوادي الجديد، تواصل الأرض المصرية الكشف عن صفحات جديدة من تاريخها الممتد عبر آلاف السنين، وهذه المرة من داخل جبانة بئر الشغالة، إحدى أبرز المناطق الأثرية بمدينة موط القديمة.
فقد نجحت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، والعاملة بالمنطقة، في الكشف عن مقبرة هرمية الشكل من العصر الروماني، شُيدت من الطوب اللبن، وخصصت لدفن رجل وزوجته، في كشف أثري يتميز بتخطيط معماري فريد ونقوش ونصوص جنائزية نادرة، من بينها مشهد يمثل الساعة السابعة من كتاب «الإيمي دوات»، إلى جانب مرثية جنائزية مكتوبة باليونانية القديمة تعود إلى أواخر القرن الثالث وبدايات القرن الرابع الميلادي.
مقبرة تبدأ بـ14 درجة وتنتهي بشكل هرمي
وأوضح الأستاذ محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، أن المقبرة تبدأ بسلم مكون من 14 درجة، يؤدي إلى مدخلها الرئيسي المشيد من الحجر الرملي على الطراز المصري.

ويتميز المدخل بمجموعة من النقوش والكتابات الهيروغليفية المنفذة بالنحت الغائر، والتي تتضمن عددًا من التعاويذ والتلاوات الجنائزية للحماية.
ويُعد هذا المدخل الحجري من العناصر المعمارية المتميزة والفريدة من نوعها في جبانة بئر الشغالة، حيث يعلوه كورنيش مصري مزين بالشمس المجنحة وحيتين من الكوبرا، يليه عنصر معماري على هيئة حزمة من أعواد البوص.

مشهد نادر من «الإيمي دوات» يظهر للمرة الأولى بالجبانة
يحمل العتب العلوي للمدخل منظرًا جنائزيًا نادرًا يمثل الساعة السابعة من كتاب «الإيمي دوات»، أحد كتب العالم الآخر في مصر القديمة، وهو منظر يظهر للمرة الأولى في مقابر الجبانة.
وتمتد النقوش على جانبي المشهد لتضم نصوصًا ومناظر مرتبطة بصاحبي المقبرة، بينما عُثر على المدخل مغلقًا بسدة حجرية تحمل هيئة أوزيرية، تحيط بها مجموعة من التعاويذ.
ومن المدخل يصل الزائر إلى صالة مستعرضة مشيدة من الطوب اللبن ذات سقف مقبي، سقط جزء من ناحيته الغربية، فيما تقع إلى يمين الصالة حجرتان للدفن، شُيدتا أيضًا من الطوب اللبن ومغطاتان بطبقة من الملاط، ويعلوهما الشكل الهرمي للمقبرة.

«بيسيختيس».. مرثية جنائزية باليونانية القديمة من 19 سطرًا
ومن أبرز مفاجآت الكشف الأثري العثور على لوحة حجرية جنائزية «مرثية» مثبتة بالجدار الجنوبي للشكل الهرمي للمقبرة.
واللوحة مستطيلة الشكل، وتنتهي من أعلى بشكل جمالوني يتوسطه قرص الشمس المنفذ بالنحت البارز، بينما تحمل نصًا مكتوبًا بالمداد الأحمر باليونانية القديمة، في صورة قصيدة رثاء جنائزية مكونة من 19 سطرًا.

وخصصت المرثية لشخص يدعى «بيسيختيس»، وتشير الدراسة الأولية إلى أنه ربما كان يشغل منصب قاضٍ.
وتؤرخ المرثية إلى أواخر القرن الثالث وبدايات القرن الرابع الميلادي، بما يجعلها شاهدًا مهمًا على ازدهار الحياة الأدبية والثقافية في الواحات خلال العصر الروماني.
مائدة قرابين وحوض تطهير وعملة للإمبراطور قسطنطين
ولم تقتصر مكتشفات المقبرة على عناصرها المعمارية والنصوص الجنائزية، حيث كشفت أعمال الحفائر عن مائدة قرابين من الحجر الرملي تعلو حوضًا للتطهير من المادة نفسها.
كما عثرت البعثة على مجموعة متنوعة من الأواني الفخارية، إلى جانب عملة برونزية تحمل نقشًا بارزًا للإمبراطور الروماني قسطنطين.

وتشير الشواهد الأثرية إلى احتمال إعادة استخدام المقبرة خلال فترة لاحقة، إذ عُثر في الجزء العلوي منها على مقصورة مشيدة من الطوب اللبن تعلو المدخل الرئيسي، وأمامها مزار جنائزي يضم أربعة أعمدة مربعة مشيدة من الطوب اللبن.
وزير السياحة والآثار: الواحات تزخر بثراء وتنوع أثري وحضاري
وأكد السيد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن الكشف يعكس ما تزخر به الواحات المصرية من ثراء وتنوع أثري وحضاري، وما تحمله من شواهد مهمة على تعاقب الحضارات التي شهدتها مصر عبر العصور.
وأشار إلى أن الوزارة تولي اهتمامًا كبيرًا بدعم أعمال البعثات الأثرية المصرية، لما تسهم به من اكتشافات جديدة تثري المعرفة بتاريخ الحضارة المصرية وتبرز تنوعها وامتدادها عبر مختلف الحقب التاريخية.
المجلس الأعلى للآثار: الكشف يقدم معلومات عن الحياة الدينية والجنائزية
وأوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أهمية الكشف الجديد تكمن فيما تتميز به المقبرة من عناصر معمارية ونقوش ونصوص جنائزية تقدم معلومات مهمة عن الممارسات الجنائزية والحياة الثقافية والدينية في الواحات الداخلة خلال العصر الروماني.
بئر الشغالة.. جبانة مدينة موط القديمة
وتُعد منطقة بئر الشغالة من أهم المواقع الأثرية بالواحات الداخلة، حيث تمثل إحدى جبانات مدينة موط، عاصمة الواحة خلال العصرين البطلمي والروماني.
وترجع التسمية الحديثة للمنطقة إلى وجود بئر للمياه يُعرف باسم «بئر الشغالة»، فيما بدأت حفائر المجلس الأعلى للآثار بالمنطقة عام 2002، وأسفرت على مدار مواسم العمل المتعاقبة عن الكشف عن العديد من المقابر التي تنوعت في تخطيطها وطرزها المعمارية.
عمارة تجمع بين التقاليد المصرية والتأثيرات البطلمية والرومانية
وتكشف المقابر التي عُثر عليها بالجبانة عن نمط معماري يجمع بين العناصر المصرية القديمة والتأثيرات التي ظهرت خلال العصرين البطلمي والروماني.
ويبرز من بينها الطراز المصري الذي يضم فناءً مكشوفًا، قد يتحول في بعض المقابر إلى سلم تكتنفه مذابح يُرجح استخدامها في إقامة الطقوس الجنائزية في الهواء الطلق.
كما تتميز بعض المقابر بوجود طابق علوي يضم مزارًا جنائزيًا يعلوه شكل هرمي، وتشير طبيعة هذه المقابر وعناصرها المعمارية والفنية إلى أن الجبانة ربما خُصصت لدفن أفراد من علية القوم من سكان عاصمة الواحة خلال العصر الروماني.
مقابر تكشف مزيجًا من المعتقدات المصرية واليونانية والرومانية
ويتكون التخطيط الداخلي لعدد من هذه المقابر من صالة أمامية تؤدي إلى حجرات للدفن، عُثر داخل بعضها على توابيت حجرية وفخارية.
واتخذت أسقف الحجرات عادة الشكل المقبى، وشُيدت إما من الحجر الرملي أو الطوب اللبن المصنوع من الطفلة المحلية.
كما تزين جدران وأسقف عدد من هذه الحجرات مناظر ونصوص جنائزية مستمدة من كتب العالم الآخر في مصر القديمة، إلى جانب بعض العناصر اليونانية والرومانية.
ويعكس هذا المزيج طبيعة المعتقدات والعادات والتقاليد التي عرفها سكان مدينة «موثيس» القديمة، موط الحالية، خلال تلك الفترة، لتظل جبانة بئر الشغالة شاهدًا أثريًا على تداخل الثقافات والمعتقدات التي شكلت ملامح الحياة في الواحات خلال العصرين البطلمي والروماني.



